صبري القباني
34
الغذاء . . . لا الدواء
الحوانيت ، للعبّ من عصير البرتقال ظنا منهم أن الإكثار منه يزيد في الفائدة المتوخاة منه . وكثيرا ما استقبلت في عيادتي مرضى يشكون قلة الفائدة التي يجنونها من عصير البرتقال ، رغم أنهم يتناولون منه كؤوسا عديدة قد تصل إلى العشرة في اليوم الواحد ، وعبثا أحاول إيضاح الأمر لهم وتبيان الطريقة التي يحققون بها الفائدة من هذا العصير ، فهم لا يستطيعون الاقتناع بأن كأسا واحدة تفيد أكثر مما تفيدهم عشرة كؤوس . . إنهم يحسبون الأمر كما وينسون حقيقته كيفا . وأراني الآن ، وأنا أضع هذا الفصل من الكتاب ، أواجه حرجا غير ضئيل ، إذ كيف أستطيع شرح الأمر لقرائي ، وإيضاح الحقيقة لهم من غير أن أصدمهم فيما يعتقدونه عن فاكهتهم المفضلة وعصيرها الذهبي الضارب إلى الوردي . كيف أستطيع أن أحدد الفارق الدقيق بين مردود « الكثير » ومردود « القليل » . كيف أستطيع أن أفسر لماذا تكون فائدة قليل من عصير البرتقال مؤكدة مثلما يكون ضرر كثير منه مؤكدا ؟ . . لقد قالت العرب : « قليل من السم ينفع » . . مع أننا نعرف أن السم عقار قاتل . . ومع أنه لا وجه للمقارنة « العلمية » بين السم وبين عصير البرتقال ، إلا أن هذا المثل يعتبر خير تفسير لذلك الفارق الذي حرت في كيفية إيضاحه . . للفارق بين قلة تنفع وكثرة تضر . . وأراني قبل أن أضع الأمر أمام عقل القارئ وعينيه ، مضطرا إلى تنبيهه إلى وجوب التمعن فيما أقول ، وإلى فهمه على حقيقته ، فلا يبالغ في تقدير الخطر ، لا ولا يستهين به ، وإنما ينظر إليه - هكذا أتمنى - كما يجب أن ينظر من غير زيادة ولا نقصان . لقد قام كل من الدكتور « يغلي » والدكتور « كاير » بدراسة أثر عصير البرتقال على المصابين بالقرحة الاثني عشرية في أحد مستشفيات شمالي كارولينا ، فوقع اختيارهما على واحد وخمسين مصابا بالقرحة ليكونوا وسيلة للدراسات . . كان تسعة عشرة منهم مصابون بالقرحة الحادة ، وأربعة عشر بلغوا المراحل الأولى لتكوّن القرحة ، أما الثمانية الباقون فكانت إصابتهم بالقرحة هاجعة وغير ظاهرة . . وكان الغذاء الرئيسي الذي تناولوه جميعا هو عصير البرتقال ، وبعد مدة معينة سجل الطبيبان الملاحظة التالية : - الفئة الأولى : ازداد شعورها بالألم والحرقة والحموضة .